رفع الرواتب لاحتواء الاحتجاجات؟

رفع الرواتب لاحتواء الاحتجاجات؟ -- Sep 28 , 2026 493

لا يحتاج اللبناني إلى من يقنعه بأن معاناته المعيشية حقيقية. فالأسعار ارتفعت، والقدرة الشرائية تراجعت، وكلفة النقل والطاقة والغذاء والخدمات أصبحت تثقل كاهل الأسر، في وقت لم يستعد فيه الاقتصاد عافيته منذ الانهيار الذي بدأ في العام 2019.
اللبناني يعيش اليوم أزمة متشعبة. هناك موجة تضخّم عالمية أعادت أسعار الطاقة والنقل وكل السلع الاستهلاكية إلى صدارة المشهد. وقد اضطرت حكومات كثيرة إلى التدخل بصورة استثنائية ومؤقتة. دول خفّضت الضرائب على المحروقات، وأخرى خفضت ضريبة القيمة المضافة على الطاقة، وقدمت دول أخرى تحويلات نقدية أو دعماً للنقل والغذاء. في البرتغال، مثلاً، شملت الإجراءات تحويلات نقدية للأسر، وخفض الضرائب على الطاقة والكهرباء، وإعفاءات مؤقتة على بعض المواد الغذائية.

لكن لبنان يواجه مشكلة إضافية. إلى جانب التضخم العالمي، هناك شريحة من اللبنانيين ما زالت تتمتع بقدرات شرائية مرتفعة، نتيجة مداخيل بالدولار أو تحويلات من الخارج أو مدخرات نقدية، ما يسمح للسوق في بعض القطاعات بالحفاظ على مستويات سعرية مرتفعة.

المشكلة أن الضغط الشعبي، إذا اختُزل في المطالبة برفع الرواتب أو خفض الأسعار، يبقى ضغطاً على النتائج لا على الأسباب. فالرواتب لا يمكن زيادتها بصورة مستدامة من دون اقتصاد منتج، والأسعار لا يمكن خفضها بصورة دائمة من دون منافسة حقيقية.

يبقى السؤال المحوري: كيف ستتعامل الحكومة مع الاحتجاجات الشعبية؟ هل تستسهل ارضاء الناس من خلال رفع الرواتب، وهذا أسوأ "الحلول"، لأنه يشتري الوقت ويمهّد لانهيار جديد أشد وطأة من الانهيار القائم منذ 2019؟

في مشهد وجع الناس، تبرز خطورة تحويل المعاناة المعيشية إلى أداة في الصراع السياسي، ومحاولة استثمار الغضب الشعبي لإضعاف المؤسسات أو الحكومة. كما أن القول إن الشارع يتحرك دائماً نتيجة معاناة معيشية يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق.

واقعياً، استعادت حكومة نواف سلام زخمها السياسي بعد أن جدّد مجلس النواب ثقته بها. ومن يعتبر أن في امكانه إسقاط الحكومة في الشارع واهم. هذه الحكومة تتمتع بثقة الناس بفضل مشروعها السيادي الذي لا يتقدّم عليه أي مشروع آخر. حتى الضغط المعيشي، لا يمكن التصدّي له، من دون دولة مكتملة السيادة، لكن ذلك لا يعني طبعاً، اعفاء الحكومة من الاجراءات الممكنة لتخفيف المعاناة.

الأولوية، تبقى لإنجاز تعديلات قانون الفجوة وتسريع معالجة الأزمة النظامية. فالاقتصاد لن يستعيد زخمه وقدراته، طالما أن البلد يعيش منذ سبع سنوات خارج الأسواق المالية العالمية، ويعمل من دون قطاع مصرفي فعلي.

في الدول التي واجهت موجات التضخم، كانت الحكومات قادرة على استخدام الموازنة والضرائب والتحويلات وشبكات الأمان الاجتماعي لمساعدة الناس بصورة مؤقتة. أما لبنان، فلا يستطيع أن يفعل ذلك بالفاعلية نفسها ما لم يستعد أولاً دولته المالية ومصرفه واقتصاده.

معالجة المعاناة المعيشية لا تتم برفع الرواتب أو المطالبة بخفض الأسعار. الطريق الحقيقي يمر بإعادة بناء الاقتصاد، وإعادة هيكلة القطاع العام، واستعادة القطاع المصرفي، وفرض المنافسة، وإعادة لبنان إلى الأسواق. عندها فقط تصبح الدولة قادرة على حماية الناس عندما تفرض الظروف العالمية، كما يحدث اليوم، اتخاذ إجراءات استثنائية ومؤقتة.

أنطوان فرح - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

نصيحة خبير اقتصاديّ: الغاز متوفّر وأوفر!

أقرأ أيضاَ

البستاني: لجنة الاقتصاد سبق أن وجّهت نداء الى الدولة لخفض الضرائب على البنزين